كَلِمَةُ الشَّهْرِ - لِشَهْرِ جُمَادَى الأُولَى - هَكَذَا هُوَ الاِسْتِعْمَارُ

السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ،

إِنَّ كَلِمَةَ (الاِسْتِعْمَارِ) كَانَتْ وَلَا زَالَتْ تَبْغَضُهَا النُّفُوسُ، وَتَمُجُّهَا الطِّبَاعُ، وَتَنْفِرُ مِنْهَا الأَسْمَاعُ مَتَى ذُكِرَتْ، وَحَيْثُمَا سُمِعَتْ وَتَرَدَّدَ صَدَاهَا؛ وَذَلِكَ لِمَا تَنْطَوِي عَلَي

ْهِ مِنْ مَعَانِي الظُّلْمِ وَالقَهْرِ وَالعُدْوَانِ، مِمَّا يَدْفَعُ بَعْضَ الكُتَّابِ أَوِ العَارِفِينَ وَحَتَّى الخُطَبَاءَ عِنْدَ تَنَاوُلِهِمْ لِهَذِهِ الكَلِمَةِ المُسْتَقْبَحَةِ المُسْتَكْرَهَةِ يَقُولُونَ بَدَلَ (الاِسْتِعْمَارِ) كَلِمَةَ (الاِسْتِدْمَارِ)، وَحُقَّ لَهُمْ ذَلِكَ وَمَا ظَلَمُوا؛ لِأَنَّ (الاِسْتِعْمَارَ) بِالمَعْنَى المُرَادِ فِي هَذِهِ الأَزْمِنَةِ المُتَأَخِّرَةِ، لَا سِيَّمَا بَعْدَ نِهَايَةِ الحَرْبِ العَالَمِيَّةِ الثَّانِيَةِ، هُوَ مُوَافِقٌ لِلْمَعْنَى المُتَرْجَمِ لَهُ، وَهُوَ مَعْنَى (الاِسْتِدْمَارِ) كَمَا نَعْهَدُهُ مِنْ دَمَارٍ وَتَخْرِيبٍ وَإِفْسَادٍ لِلْبِلَادِ، وَاسْتِعْبَادٍ وَاسْتِرْقَاقٍ لِلْعِبَادِ.

أَمَّا بِالنَّظَرِ إِلَى حَقِيقَةِ هَذِهِ الكَلِمَةِ (أَعْنِي الاِسْتِعْمَارَ)، فَإِنَّهَا قَدْ وَرَدَتْ فِي القُرْآنِ المَجِيدِ، وَأَبَانَ المُفَسِّرُونَ عَنْ مَعْنَاهَا، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى مِنْ سُورَةِ (هُودٍ): ﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هُود: 61].

قَالَ مُجَاهِدٌ: مَعْنَى "اسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا" أَيْ: أَعْمَرَكُمْ فِيهَا.

وَقَالَ ابْنُ كَثِيرٍ -رَحِمَهُ اللهُ- فِي مَعْنَى الآيَةِ: "أَيْ: جَعَلَكُمْ عُمَّارًا تَعْمُرُونَهَا وَتَسْتَغِلُّونَهَا".

وَقَالَ الإِمَامُ الطَّبَرِيُّ: "وَجَعَلَكُمْ عُمَّارَهَا، أَيْ: أَسْكَنَكُمْ فِيهَا أَيَّامَ حَيَاتِكُمْ... تَقُولُ العَرَبُ: أَعْمَرَ فُلَانٌ فُلَانًا دَارَهُ، وَمِنْهُ العُمْرَى".

فَالمَعْنَى الحَقِيقِيُّ لِكَلِمَةِ (الاِسْتِعْمَارِ) هُوَ الإِعْمَارُ وَالبِنَاءُ وَالإِصْلَاحُ، لَكِنْ بِالنَّظَرِ إِلَى مَقَاصِدِ أُولَئِكَ المُعْتَدِينَ الدَّنِيئَةِ وَمَطَامِعِهِمُ التَّوَسُّعِيَّةِ الاِسْتِيطَانِيَّةِ المَقِيتَةِ، وَهَوَى البَطْشِ وَالقَهْرِ وَالبَغْيِ وَالتَّسَلُّطِ، فَإِنَّهُمْ جَرَّدُوهَا مِنْ فَحْوَاهَا الإِيجَابِيِّ وَوَجَّهُوهَا إِلَى مَا يُلَائِمُ أَغْرَاضَهُمْ.

وَمِنْ هُنَا صَارَ (الاِسْتِعْمَارُ) مُصْطَلَحًا سِيَاسِيًّا يَدُلُّ عَلَى العُدْوَانِ وَالاِسْتِبْدَادِ وَاسْتِضْعَافِ الآخَرِينَ وَإِذْلَالِهِمْ وَقَهْرِهِمْ وَالتَّسَلُّطِ عَلَيْهِمْ عَبْرَ اسْتِخْدَامِ وَسَائِلِ العُنْفِ وَالقُوَّةِ وَالفَتْكِ وَالبَطْشِ بِلَا رَحْمَةٍ وَلَا شَفَقَةٍ؛ وَذَلِكَ مِنْ قِبَلِ دَوْلَةٍ قَوِيَّةٍ بَاطِشَةٍ تُجَاهَ دَوْلَةٍ ضَعِيفَةٍ مُسْتَضْعَفَةٍ؛ بِقَصْدِ إِذْلَالِهَا وَبَسْطِ النُّفُوذِ عَلَيْهَا وَإِخْضَاعِ سُكَّانِهَا وَمُمَارَسَةِ الاِسْتِعْبَادِ وَالاِسْتِرْقَاقِ عَلَيْهِمْ؛ لِنَهْبِ خَيْرَاتِهِمْ وَمَسْخِ هُوِيَّتِهِمْ، وَذَلِكَ بِالقَضَاءِ عَلَى أَهَمِّ مُقَوِّمَاتِهِمْ، وَاسْتِغْلَالِ ثَرْوَاتِهِمْ، وَالخُلُوِّ بِرِقَابِهِمْ مِنْ خِلَالِ مَسْخِ هُوِيَّتِهِمُ الحَضَارِيَّةِ، وَمَحْوِ سِمَاتِ شَخْصِيَّتِهِمْ مِنْ مُقَوِّمَاتِ وُجُودِهِمْ: كَالدِّينِ وَاللُّغَةِ وَالتَّارِيخِ وَالعَادَاتِ وَالتَّقَالِيدِ، وَقَطْعِ الصِّلَةِ بَيْنَ هَذَا الشَّعْبِ المُسْتَعْمَرِ وَبَيْنَ مُكَوِّنَاتِ حَيَاتِهِ فِي شَتَّى المَجَالَاتِ.

وَقَدْ يَنْجَحُ (الاِسْتِدْمَارُ) فِي تَنْفِيذِ خُطَطِهِ التَّدْمِيرِيَّةِ فَيُحَوِّلُ هَذَا البَلَدَ المُسْتَعْمَرَ إِلَى مَجْمُوعَةٍ مِنَ العَنَاصِرِ البَشَرِيَّةِ المُتَنَافِرَةِ، المُتَنَاقِضَةِ، المُتَنَاحِرَةِ، الَّتِي يَسْهُلُ فِيمَا بَعْدُ قِيَادُهَا وَسَوْقُهَا إِلَى حَيْثُ يُرِيدُ المُسْتَدْمِرُ.

لَا يُدْرِكُ هَذَا الَّذِي نَقُولُهُ وَنُدَنْدِنُ حَوْلَهُ حَقَّ الإِدْرَاكِ إِلَّا مَنْ عَرَفَ مَعْنَى (الاِسْتِدْمَارِ) وَذَاقَ مُرَّ عَلْقَمِهِ، وَغَصَّ بِهِ حَلْقُهُ، وَجَنَى شَرَّهُ، وَعَاشَ تَحْتَ نِيرِهِ، وَنَالَهُ مِنْ شِدَّتِهِ مَا نَالَهُ، وَلَيْسَ المُخْبَرُ كَالمُعَايِنِ، وَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَيْسَ الخَبَرُ كَالْمُعَايَنَةِ» [رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالطَّبَرَانِيُّ، وَصَحَّحَهُ الأَلْبَانِيُّ]. وَخَيْرُ مَا يُقَدَّمُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فَاطِر: 14].

وَكَانَتِ الجَزَائِرُ المُسْلِمَةُ مِنْ بَيْنِ الدُّوَلِ الَّتِي نَالَتْ حَظَّهَا المَقْدُورَ مِنْ هَذَا البَلَاءِ المَحْتُومِ، أَعْنِي بِهِ (الاِسْتِدْمَارَ) الفَرَنْسِيَّ البَغِيضَ، فَقَدْ تَمَّ احْتِلَالُهَا مِنْ قِبَلِ فَرَنْسَا الظَّالِمَةِ المُجْرِمَةِ بَعْدَ تَدْبِيرٍ وَتَخْطِيطٍ وَإِعْدَادٍ وَاسْتِعْدَادٍ؛ وَكَانَ ذَلِكَ فِي شَهْرِ مُحَرَّمٍ (1246 هـ) الموَافِقِ لِـ (جْوِيلْيَة 1830 م)، وَذَلِكَ بَعْدَ أَنْ أُحْكِمَتِ الخُطَطُ وَسُطِّرَتِ البَرَامِجُ وَهُيِّئَتِ الأَجْوَاءُ وَحُدِّدَتِ العِلَلُ وَالأَسْبَابُ، فَكَانَتِ القَشَّةَ القَاصِمَةَ لِظَهْرِ البَعِيرِ فِي حَادِثَةِ المِرْوَحَةِ المَشْهُورَةِ الَّتِي اعْتَمَدَتْهَا فَرَنْسَا حُجَّةً وَاهِيَةً لِاحْتِلَالِ بَلَدِ الجَزَائِرِ.

وَقَدِمَ المُسْتَدْمِرُ الفَرَنْسِيُّ بِجُيُوشِهِ الجَرَّارَةِ المـُدَجَّجَةِ بِالسِّلَاحِ، وَتَمَّ إِنْزَالُهَا فِي شَوَاطِئِ السَّوَاحِلِ الغَرْبِيَّةِ لِلْبِلَادِ، فَنَزَلَتْ كَنُزُولِ الوَبَاءِ المُمِيتِ الَّذِي يَحُلُّ بِأَرْضٍ فَيُرْعِبُ أَهْلَهَا وَيَنْشُرُ المَوْتَ فِي جَمِيعِ أَرْجَائِهَا. وَكَانَ المَقْصِدُ الجَلِيُّ لِفَرَنْسَا مِنْ قُدُومِهَا إِلَى الجَزَائِرِ بَسْطَ نُفُوذِهَا عَلَى هَذَا البَلَدِ المُسْلِمِ وَجَعْلِهِ مُسْتَعْمَرَةً فَرَنْسِيَّةً تَابِعَةً لَهَا، وَمِنْ ثَمَّةَ الاِسْتِئْثَارَ بِثَرْوَاتِهَا وَنَهْبَ خَيْرَاتِهَا وَاسْتِغْلَالَ أَسْوَاقِهَا لِتَنْمِيَةِ اقْتِصَادِهَا.

وَقَدْ يَأْخُذُ (الاِسْتِدْمَارُ) أَشْكَالًا مُتَعَدِّدَةً وَيُنَفَّذُ بِأَسَالِيبَ مُخْتَلِفَةٍ تَكُونُ مُتَاحَةً مُنَاسِبَةً فِي الوَقْتِ الَّذِي يُرَادُ فِيهِ اسْتِعْمَارُ بَلَدٍ مَا، وَذَلِكَ بَعْدَ إِعْدَادِ العُدَّةِ وَالعَدَدِ مَعَ مُرَاعَاةِ الخُطَطِ وَالوَسَائِلِ المُخْتَارَةِ وَالمَرَاحِلِ المُعَيَّنَةِ وَالأَهْدَافِ المُحَدَّدَةِ، كُلُّ ذَلِكَ يَجْرِي بِإِحْكَامٍ وَإِتْقَانٍ بِصُحْبَةِ قُوَّةِ الحَدِيدِ وَالنَّارِ.

v فَقَدْ يَكُونُ الاِسْتِدْمَارُ مُبَاشِرًا: وَذَلِكَ مِنْ خِلَالِ نَقْلِ الجُيُوشِ العَسْكَرِيَّةِ المُسَلَّحَةِ إِلَى البَلَدِ المُرَادِ احْتِلَالُهُ، وَهَذِهِ طَرِيقَةٌ تَقْلِيدِيَّةٌ قَدِيمَةٌ، وَإِنْ كَانَتْ لَا زَالَتْ تُسْتَخْدَمُ إِلَى الآنَ لَكِنْ بِصُورَةٍ نِسْبِيَّةٍ، لَكِنَّ آثَارَهَا السَّلْبِيَّةَ أَشَدُّ وَأَقْطَعُ وَأَعْنَفُ لِمَا يُسْتَعْمَلُ مِنْ أَسْلِحَةٍ مُتَطَوِّرَةٍ جَرَّاءَ الزَّمَنِ الحَاضِرِ.

v وَقَدْ يَكُونُ الاِسْتِدْمَارُ غَيْرَ مُبَاشِرٍ: وَهُوَ احْتِلَالُ العُقُولِ وَالقُلُوبِ وَالأَفْكَارِ مِنْ خِلَالِ مَا يُسَمُّونَهُ بِالغَزْوِ الفِكْرِيِّ الثَّقَافِيِّ المُوَجَّهِ عَبْرَ وَسَائِلِ الإِعْلَامِ وَالاِتِّصَالِ فِي زَمَنِ المُحْدَثَاتِ التِّكْنُولُوجِيَّةِ الكَثِيرَةِ، وَهَذَا فِي عُرْفِ العُقَلَاءِ وَالفُهَمَاءِ وَالفُضَلَاءِ أَعْظَمُ ضَرَرًا وَأَشَدُّ تَأْثِيرًا وَأَكْثَرُ إِفْسَادًا. وَهَذَا الاِسْتِدْمَارُ الثَّانِي لَا عَاصِمَ مِنْهُ وَلَا نَجَاةَ مِنْ شَرِّهِ إِلَّا بِالاِعْتِصَامِ بِاللهِ تَعَالَى.

وَقَدْ لَاقَى شَعْبُنَا الجَزَائِرِيُّ المُسْلِمُ مِنْ وَيْلَاتِ الاِسْتِدْمَارِ الفَرَنْسِيِّ بِنَوْعَيْهِ مَا يَعْجَزُ اللِّسَانُ عَنْ وَصْفِهِ وَالقَلَمُ عَنْ خَطِّهِ، وَيَسْتَعْصِي الذِّهْنُ عَلَى اسْتِحْضَارِهِ؛ لِشِدَّةِ ضَرَرِهِ وَشَنَاعَةِ صُوَرِهِ؛ مِنْ قَتْلٍ وَأَسْرٍ وَتَعْذِيبٍ وَتَنْكِيلٍ وَتَشْرِيدٍ وَتَهْجِيرٍ وَتَجْوِيعٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ، مِمَّا تَذْهَلُ لَهُ العُقُولُ وَتَنْخَلِعُ لَهُ القُلُوبُ وَتَذْرِفُ لَهُ المَآقِي وَتَقْشَعِرُّ لَهُ الجُلُودُ وَالأَبْدَانُ.

إِنَّهُ قَدْ عَدَّ كَثِيرٌ مِنَ البَاحِثِينَ -بَعْدَ التَّفَرُّسِ وَبُعْدِ النَّظَرِ- أَنَّ عَزْمَ فَرَنْسَا عَلَى احْتِلَالِ الجَزَائِرِ يَرْجِعُ أَسَاسًا إِلَى اسْتِنْهَاضِ الحَمَلَاتِ الصَّلِيبِيَّةِ المُتَقَدِّمَةِ وَتَجْدِيدِ عَهْدِهَا بِالاِنْتِقَامِ مِنَ الإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ. وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مُرَافَقَةُ الجُيُوشِ الفَرَنْسِيَّةِ القَادِمَةِ إِلَى الجَزَائِرِ لِمَجْمُوعَاتٍ كَثِيرَةٍ مِنْ دُعَاةِ التَّبْشِيرِ وَالتَّنْصِيرِ، الَّذِينَ تَوَفَّرَتْ فِيهِمُ القُدْرَةُ العِلْمِيَّةُ وَالحِنْكَةُ وَالتَّجْرِبَةُ الطَّوِيلَةُ فِي تَنْصِيرِ كَثِيرٍ مِنْ أَقْطَارِ الشُّعُوبِ المُسْتَضعَفَةِ آنَذَاكَ وَمِنْهَا الشُّعُوبُ الإِفْرِيقِيَّةُ.

وَنَظَرُ هَؤُلَاءِ النُّقَّادِ وَالبَاحِثِينَ فِيهِ كَثِيرٌ مِنَ الصِّحَّةِ وَالسَّدَادِ، لَا سِيَّمَا حِينَ نَعْلَمُ أَنَّ فَرَنْسَا عِنْدَ شَدِّ رِحَالِهَا إِلَى الجَزَائِرِ بِقَضِّهَا وَقَضِيضِهَا وَجَيشِهَا وعَتَادِهَا، اتَّجَهَتْ مُبَاشَرَةً إِلَى تَقْوِيضِ بُنْيَانِ أَعْظَمِ رُكْنٍ يَسْتَنِدُ عَلَيْهِ الشَّعْبُ الجَزَائِرِيُّ، أَلَا وَهُوَ الدِّينُ، أَعْنِي الإِسْلَامَ.

يُتْبَعُ

كَلِمَةُ الشَّهْرِ - لِشَهْرِ جُمَادَى الآخِرِةِ - هَكَذَا هُوَ الاِسْتِعْمَارُ

السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ،

الكَلِمَةُ الشَّهْرِيَّةُ: الجُزْءُ الثَّانِي

إِنَّ فَرَنْسَا كَانَتْ تُدْرِكُ جَيِّدًا أَنَّ الدِّينَ بِالنِّسْبَةِ لِلْأُمَّةِ الجَزَائِرِيَّةِ هُوَ مَوْرِدُ حِمَايَةِ جَوْهَرِهَا وَأَسَاسُ وُجُودِهَا، وَبِغَيْرِهِ تَكُونُ عَدَمًا أَوْ شِبْهَهُ؛ فَاجْتَهَدَتْ لِلْقَضَاءِ عَلَى الْإِسْلَامِ بِالْكُلِّيَّةِ إِنِ اسْتَطَاعَتْ، أَوْ إِضْعَافِهِ وَتَوْهِينِهِ، عَبْرَ التَّنْكِيلِ بِأَهْلِهِ بِتَعْذِيبِهِمْ وَقَتْلِهِمْ، وَصَدِّهِمْ عَنْهُ بِالْحَيْلُولَةِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ.

وَكَانَتْ قَدْ أَعَدَّتْ لِتَنْفِيذِ ذَلِكَ ثَلَاثَ طُرُقٍ، هِيَ:

أَوَّلًا: تَوَجُّهُهَا إِلَى الْمَسَاجِدِ وَأَمَاكِنِ الْعِبَادَةِ، فَحَوَّلَتْهَا إِمَّا إِلَى كَنَائِسَ، وَإِمَّا إِلَى ثَكَنَاتٍ عَسْكَرِيَّةٍ وَمَرَاقِدَ لِجُنُودِهَا، وَإِمَّا إِلَى إِصْطَبْلَاتٍ لِإِيوَاءِ خُيُولِهَا وَدَوَابِّهَا. وَذَلِكَ بَعْدَ أَنْ أَزَاحَتْ أَئِمَّتَهَا؛ فَمِنْهُمْ مَنْ قَتَلَتْهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ سَجَنَتْهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ وَضَعَتْهُ تَحْتَ الرَّقَابَةِ الْجَبْرِيَّةِ وَالْمُرَاقَبَةِ الْعَسْكَرِيَّةِ، وَأَغْلَقَتْ كَثِيرًا مِنَ الْكَتَاتِيبِ الَّتِي كَانَتْ تُعَلِّمُ الْقُرْآنَ وَاللُّغَةَ الْعَرَبِيَّةَ وَمَبَادِئَ الدِّينِ عَبْرَ تُرَابِ الْوَطَنِ.

ثَانِيًا: تَوْزِيعُ جَمَاعَاتِ التَّبْشِيرِ وَالتَّنْصِيرِ عَبْرَ رُبُوعِ الْوَطَنِ، وَتَزْوِيدُهُمْ بِجَمِيعِ الْوَسَائِلِ الَّتِي تُمَكِّنُهُمْ مِنْ بَثِّ حِقْدِهِمْ عَلَى الْإِسْلَامِ بِصُوَرٍ شَتَّى؛ مِثْلَ مَظْهَرِ الطَّبِيبِ لِلْمَرِيضِ، وَالْمُعَلِّمِ لِلْجَاهِلِ، وَالْإِدَارِيِّ لِصَاحِبِ الْحَاجَةِ، وَالْقَائِمِ عَلَى دُورِ الْأَيْتَامِ وَالْفُقَرَاءِ.

وَكَانَ الْغَرَضُ الْحَقِيقِيُّ مِنْ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّبْشِيرِيَّةِ هُوَ طَمْسَ مَعَالِمِ الدِّينِ الْإِسْلَامِيِّ فِي الْجَزَائِرِ وَتَنْصِيرَ النَّاسِ، وَمُحَاوَلَةَ إِدْخَالِهِمْ فِي الْمَسِيحِيَّةِ؛ فَإِنْ أَبَوْا، اكْتَفَوْا بِجَعْلِ الشَّعْبِ الْجَزَائِرِيِّ الْمُسْلِمِ بِلَا دِينٍ، يَعِيشُ كَمَا تَعِيشُ الْأَنْعَامُ، بَلْ هُمْ أَضَلُّ، وَمِنْ ثَمَّ يَصِيرُ الْفَرْدُ الْجَزَائِرِيُّ الْمُسْلِمُ لَا صِلَةَ لَهُ بِرَبِّهِ أَوْ نَبِيِّهِ ﷺ، وَلَا بِالْأَخْلَاقِ الْإِسْلَامِيَّةِ الْحَمِيدَةِ الَّتِي تَقُومُ عَلَيْهَا حَيَاةُ الْأُمَمِ وَالشُّعُوبِ. وَقَدْ رَأَى بَعْضُ رُهْبَانِ النَّصَارَى وَعُلَمَائِهِمْ أَنَّ إِدْخَالَ الْمُوَاطِنِ الْجَزَائِرِيِّ فِي النَّصْرَانِيَّةِ يُعَدُّ تَكْرِيمًا لَهُ، لِذَا فَالْأَوْلَى أَنْ يَعِيشَ بِلَا دِينٍ لِيَسْهُلَ انْقِيَادُهُ وَاسْتِسْلَامُهُ بَعْدَ احْتِقَارِهِ وَإِذْلَالِهِ.

يَقُولُ الْقَسُّ (صَمُوئِيل زْوِيمَر): «...وَلَكِنَّ مَهَمَّةَ التَّبْشِيرِ الَّتِي نَدَبَتْكُمُ الدُّوَلُ الْمَسِيحِيَّةُ لِلْقِيَامِ بِهَا فِي الْبِلَادِ الْمُحَمَّدِيَّةِ لَيْسَ الْغَرَضُ مِنْهَا إِدْخَالَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْمَسِيحِيَّةِ؛ فَإِنَّ فِي هَذَا هِدَايَةً لَهُمْ وَتَكْرِيمًا، إِنَّمَا مَهَمَّتُكُمْ هِيَ أَنْ تُخْرِجُوا الْمُسْلِمَ مِنَ الْإِسْلَامِ؛ فَيُصْبِحَ مَخْلُوقًا لَا صِلَةَ لَهُ بِاللهِ، وَبِالتَّالِي لَا صِلَةَ لَهُ بِالْأَخْلَاقِ الَّتِي تَعْتَمِدُ عَلَيْهَا الْأُمَمُ فِي حَيَاتِهَا، وَبِذَلِكَ تَكُونُونَ أَنْتُمْ بِعَمَلِكُمْ هَذَا طَلِيعَةَ الْفَتْحِ الِاسْتِعْمَارِيِّ فِي الْمَمَالِكِ الْإِسْلَامِيَّةِ».

وَمِنْ خِلَالِ هَذَا التَّخْطِيطِ؛ كَانَ احْتِلَالُ الْجَزَائِرِ مِنْ قِبَلِ فَرَنْسَا دَافِعُهُ دِينِيًّا بَحْتًا، وَذَلِكَ مَا أَعْلَنَ عَنْهُ الْمَرْشَالُ (لُوي دِي بُورْمُون)، حَيْثُ عَبَّرَ عَنْ نِيَّتِهِ فِي غَزْوِ السَّاحِلِ الْمَغْرِبِيِّ الْإِسْلَامِيِّ لِإِقَامَةِ (أُسْقُفِيَّةٍ) بِمَدِينَةِ بِجَايَةَ وَكَنِيسَةٍ بِمَدِينَةِ وَهْرَانَ. وَلِذَلِكَ كَانَتِ الْحَمَلَاتُ التَّبْشِيرِيَّةُ الَّتِي رَافَقَتِ الْجُيُوشَ الْفَرَنْسِيَّةَ الْقَادِمَةَ إِلَى الْجَزَائِرِ يَتَقَدَّمُهَا الْكَارْدِينَالُ (شَارْل مَارْسِيَال لَافِيِجْرِي) الَّذِي صَارَ مُطْرَانًا لِلْجَزَائِرِ وَكَبِيرَ أَسَاقِفَةِ أَفْرِيقِيَا، وَكَانَ هَدَفُهُ تَحْوِيلَ أَفْرِيقِيَا إِلَى التَّعَالِيمِ الْكَاثُولِيكِيَّةِ.

وَلَكِنْ بَعْدَ كُلِّ ذَلِكَ الْجُهْدِ الْمَبْذُولِ، لَمْ تَتَحَقَّقْ لِفَرَنْسَا الْمُجْرِمَةِ الْغَايَةُ لِتَنْصِيرِ شَعْبِ الْجَزَائِرِ الْمُسْلِمِ الَّذِي لَهُ جُذُورٌ مُمْتَدَّةٌ فِي شِعَابِ الزَّمَنِ يَعْسُرُ اقْتِلَاعُهَا، وَلَمْ تُحَقِّقْ مَا كَانَتْ تَصْبُو إِلَيْهِ رَغْمَ شِدَّةِ الظُّلْمِ وَالْقَهْرِ وَالتَّجْوِيعِ وَالْحِصَارِ وَالتَّنْكِيلِ وَالتَّعْذِيبِ وَالتَّشْرِيدِ وَالْقَتْلِ وَالصَّلْبِ؛ كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يُمَكِّنْهَا مِنَ الْوُصُولِ إِلَى غَايَتِهَا الْمَرْسُومَةِ وَهَدَفِهَا الْمَبِيتِ.

وَلَمَّا احْتَفَلَتْ فَرَنْسَا بِمُرُورِ قَرْنٍ مِنَ الزَّمَانِ عَلَى احْتِلَالِ الْجَزَائِرِ، قَامَ خُطَبَاؤُهَا فَقَالُوا: «لَا تَظُنُّوا أَنَّنَا انْتَصَرْنَا عَلَى الْجَزَائِرِيِّينَ مَا دَامُوا يَقْرَؤُونَ الْقُرْآنَ وَيَتَكَلَّمُونَ الْعَرَبِيَّةَ؛ فَيَجِبُ أَنْ نَجْعَلَ الْأَرْضَ الْجَزَائِرِيَّةَ مِنَ الدَّوْلَةِ الْمَسِيحِيَّةِ، تُضَاءُ أَرْجَاؤُهَا بِنُورِ مَدَنِيَّةٍ تَنْبُعُ مِنْ وَحْيِ الْإِنْجِيلِ، أَنْ نُزِيلَ الْقُرْآنَ مِنْ وُجُودِهِمْ، وَأَنْ نَقْتَلِعَ الْعَرَبِيَّةَ مِنْ أَلْسِنَتِهِمْ».

ثَالِثًا: أَمَّا الْوَسِيلَةُ الثَّالِثَةُ الَّتِي اعْتَمَدَتْهَا فَرَنْسَا فِي مُحَاوَلَةِ الْقَضَاءِ عَلَى الدِّينِ، فَهِيَ فِي الْحَقِيقَةِ وَسِيلَةٌ مُسْتَأْجَرَةٌ؛ اسْتِخْدَامُ أُنَاسٍ يَتَكَلَّمُونَ بِاسْمِ الدِّينِ وَيَتَزَيَّوْنَ بِزِيِّهِ، وَيَضَعُونَ عَلَى رُؤُوسِهِمُ الْعَمَائِمَ الْمَأْجُورَةَ؛ فَقَدْ تَوَجَّهَتْ فَرَنْسَا إِلَى بَعْضِ أَئِمَّةِ الطُّرُقِيَّةِ مِنْ أَهْلِ الزَّوَايَا، وَأَغْرَتْهُمْ بِالْمَالِ وَوَعَدَتْهُمْ بِالْمَنَاصِبِ وَالْجَاهِ، وَلَكِنِ اتَّفَقَتْ مَعَهُمْ عَلَى ضَرْبِ الْإِسْلَامِ وَالطَّعْنِ فِيهِ وَتَحْرِيفِهِ وَإِذْلَالِ أَهْلِهِ، وَتَقْدِيمِهِ فِي صُوَرٍ مُشَوَّهَةٍ مُنَفِّرَةٍ، عَنْ طَرِيقِ التَّلْبِيسِ عَلَى النَّاسِ وَالتَّمْوِيهِ عَلَيْهِمْ وَخِدَاعِهِمْ، وَإِخْرَاجِ الْفَتَاوَى الَّتِي تُحَقِّقُ مَصَالِحَ الْمُسْتَعْمِرِ الْفَرَنْسِيِّ، وَتُسْنِدُ قَوَانِينَهُ وَتُرَسِّخُ أَقْدَامَهُ، وَتُبَرِّرُ جَرَائِمَهُ وَتُحَسِّنُ أَفْعَالَهُ، وَتَمْنَعُ مُرَاجَعَتَهُ وَمُحَارَبَتَهُ وَمُقَاوَمَتَهُ، حَتَّى وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ بِمُجَرَّدِ الْكَلَامِ.

فَاعْتَمَدَتْ فَرَنْسَا فِي هَدْمِ هَذَا الرُّكْنِ الرَّكِينِ مِنْ بِنَاءِ الشَّخْصِيَّةِ الْجَزَائِرِيَّةِ عَلَى الطُّرُقِيِّينَ الْمُنْحَرِفِينَ؛ وَاسْتَأْجَرَتِ الْأَئِمَّةَ مِنْهُمُ الَّذِينَ خَانُوا بِلَادَهُمْ وَأَسَاءُوا إِلَى وَطَنِهِمْ وَغَدَرُوا بِأُمَّتِهِمْ وَتَنَكَّرُوا لِشَعْبِهِمْ، فَأَسْنَدَتْ إِلَيْهِمْ وَظَائِفَ الْإِمَامَةِ فِي الْمَسَاجِدِ وَالتَّدْرِيسِ، وَوَضَعَتْهُمْ تَحْتَ الْمُرَاقَبَةِ الِاسْتِدْمَارِيَّةِ، فَكَانُوا يُمِيلُونَ لِفَرَنْسَا وَيَخْطُبُونَ لَهَا وَيُدَرِّسُونَ لِتَحْقِيقِ أَغْرَاضِهَا وَبُلُوغِ أَهْدَافِهَا.

كَمَا اسْتَخْدَمَ الْمُسْتَعْمِرُ الْفَرَنْسِيُّ وَسَائِلَ أُخْرَى عَدِيدَةً فِي تَنْفِيذِ خُطَّتِهِ الْمُدَمِّرَةِ الظَّالِمَةِ الْغَاشِمَةِ، لِإِخْضَاعِ هَذَا الشَّعْبِ الْعَرَبِيِّ الْمُسْلِمِ وَإِذْلَالِهِ لِتَتَمَكَّنَ مِنْ سَلْبِ خَيْرَاتِهِ وَالتَّحَكُّمِ فِي ثَرْوَاتِهِ وَالتَّصَرُّفِ فِي أَسْوَاقِهِ؛ وَمِنْ هَذِهِ الْوَسَائِلِ:

الْعَمَلُ عَلَى تَجْهِيلِ الشَّعْبِ وَإِغْرَاقِهِ فِي الْأُمِّيَّةِ، وَقَطْعِ الطُّرُقِ عَلَى تَعْلِيمِهِ وَسَدِّ السُّبُلِ عَلَى تَثْقِيفِهِ حَتَّى لَا يَسْتَيْقِظَ مِنْ رَقْدَتِهِ، أَوْ يَنْهَضَ مِنْ كَبْوَتِهِ، أَوْ يَفِيقَ مِنْ سَكْرَتِهِ. ثُمَّ عَمِلُوا عَلَى نَشْرِ مُخْتَلِفِ الْآفَاتِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ الضَّارَّةِ الْمُهْلِكَةِ الَّتِي تُخَرِّبُ كِيَانَ الْمُجْتَمَعِ مِنْ خَمْرٍ وَزِنًا وَدَعَارَةٍ وَقِمَارٍ. وَفَتَحُوا الْمَجَالَ لِلْمُشَعْوِذِينَ وَالدَّجَّالِينَ لِمُمَارَسَةِ أَفْعَالِهِمُ الْقَبِيحَةِ الْمُؤَدِّيَةِ لِهَدْمِ أَخْلَاقِ أَفْرَادِ الْمُجْتَمَعِ. وَجَنَّدُوا عُبَّادَ الْقُبُورِ وَالْأَضْرِحَةِ وَالْمَزَارَاتِ بِدَعْوَةِ الْعَامَّةِ وَالْجَهَلَةِ مِنَ الشَّعْبِ لِلتَّرَدُّدِ عَلَيْهَا وَالتَّعَلُّقِ بِأَصْحَابِهَا وَالْعُكُوفِ عِنْدَهَا. وَأَوْعَزُوا إِلَى بَعْضِ شُيُوخِ الطُّرُقِيَّةِ لِإِقْنَاعِ الشَّعْبِ الْجَزَائِرِيِّ بِأَنَّ فَرَنْسَا دَخَلَتِ الْجَزَائِرَ بِقَدَرِ اللهِ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ تَخْرُجَ إِلَّا بِقَدَرِ اللهِ، فَلَا فَائِدَةَ فِي مُقَاوَمَتِهَا وَالْوُقُوفِ فِي وَجْهِهَا وَمُحَارَبَتِهَا.

كَمَا عَمِلُوا عَلَى نَشْرِ الْبَطَالَةِ فِي أَوْسَاطِ الْمُجْتَمَعِ الْجَزَائِرِيِّ، لِأَلْجَاءِ مِئَاتِ الشَّبَابِ مِنْهُمْ بِسَبَبِ الضَّرُورَةِ لِلْعَمَلِ عِنْدَ الْمُعَمِّرِينَ الْفَرَنْسِيِّينَ «الْكُولُون» (أَيِ الْفَرَنْسِيِّ الْغَاصِبِ لِأَرْضِهِ) بِأَقَلِّ الرَّوَاتِبِ مَعَ مَا يَلْحَقُهُمْ مِنْ مَهَانَةٍ وَذُلٍّ وَصَغَارٍ وَاسْتِعْبَادٍ، أَوْ يَضْطَرُّونَ إِلَى مُمَارَسَةِ بَعْضِ الْأَعْمَالِ الْمَهِينَةِ مِثْلِ مَسْحِ أَحْذِيَةِ الْمُسْتَعْمِرِينَ وَغَيْرِهِمْ، وَتَنْظِيفِ قَنَوَاتِ صَرْفِ الْمِيَاهِ الْقَذِرَةِ، أَوِ الْعَمَلِ فِي الْإِصْطَبْلَاتِ أَوْ جَمْعِ الْقُمَامَاتِ، مُتَعَمِّدِينَ تَعْرِيضَهُمْ لِلْأَوْذَاءِ وَالْأَمْرَاضِ الْخَطِيرَةِ الْمُعْدِيَةِ، وَحِرْمَانَهُمْ فِي ذَاتِ الْوَقْتِ مِنْ وَسَائِلِ التَّدَاوِي أَوِ الْوِقَايَةِ.

وَأَجْبَرُوا بَعْضَهُمْ عَلَى الْعَمَلِ فِي الْمَزَارِعِ الَّتِي اغْتَصَبَهَا الْمُسْتَعْمِرُونَ الْفَرَنْسِيُّونَ مِنْ أَصْحَابِهَا، لِيَسْتَخْدِمُوهُمْ فِيهَا كَأُجَرَاءَ بِأَجْرٍ زَهِيدٍ (خَمَّاسِينَ). وَكَذَلِكَ مِنْ وَسَائِلِهِمُ الْخَبِيثَةِ تَسْخِيرُ بَعْضِ ضِعَافِ النُّفُوسِ بِإِغْرَائِهِمْ بِالْمَالِ لِخِيَانَةِ وَطَنِهِمْ عَنْ طَرِيقِ تَوْظِيفِهِمْ كَعُيُونٍ وَجَوَاسِيسَ يَنْقُلُونَ إِلَيْهِمْ أَخْبَارَ الْمُجَاهِدِينَ الْأَحْرَارِ وَالْمُقَاوِمِينَ وَالْمُسَبِّلِينَ وَالْفِدَائِيِّينَ، وَكَانَ الشَّعْبُ يُطْلِقُ عَلَيْهِمْ لَقَبَ «الْقُومِيَّةِ» بِمَعْنَى عُمَلَاءِ فَرَنْسَا.

وَهَكَذَا، يَتَبَيَّنُ لَنَا أَنَّ الْمُسْتَعْمِرَ الْفَرَنْسِيَّ لَمْ يَأْتِ فَقَطْ لِغَصْبِ الْأَرْضِ وَنَهْبِ الْخَيْرَاتِ، بَلْ جَاءَ بِمَشْرُوعٍ تَغْرِيبِيٍّ يَسْتَهْدِفُ هُوِيَّةَ الْإِنْسَانِ الْجَزَائِرِيِّ وَعَقِيدَتَهُ. لَقَدْ سَخَّرَتْ فَرَنْسَا كُلَّ أَدَوَاتِهَا —مِنْ تَبْشِيرٍ وَتَجْهِيلٍ وَتَجْنِيدٍ لِأَدْعِيَاءِ الدِّينِ— لِتَفْكِيكِ أَرْكَانِ الْمُجْتَمَعِ وَإِذَابَةِ شَخْصِيَّتِهِ. لَكِنَّ هَذِهِ الْمُؤَامَرَاتِ الدَّنِيئَةَ، وَإِنْ أَثْخَنَتْ فِي الْجَسَدِ الْجَزَائِرِيِّ جِرَاحًا، إِلَّا أَنَّهَا ارْتَدَّتْ خَائِبَةً أَمَامَ صَخْرَةِ الْإِيمَانِ الرَّاسِخِ وَالْوَعْيِ الْأَصِيلِ؛ فَظَلَّ الْقُرْآنُ فِي الصُّدُورِ، وَاللُّسَانُ الْعَرَبِيُّ نَابِضًا بِالْحَقِّ، حَتَّى انْجَلَى لَيْلُ الِاسْتِدْمَارِ، وَبَقِيَتِ الْجَزَائِرُ شَامِخَةً بِدِينِهَا وَأَصَالَتِهَا، شَاهِدَةً عَلَى أَنَّ إِرَادَةَ الشُّعُوبِ الْمُسْتَمَدَّةَ مِنْ عَوْنِ اللهِ لَا تُقْهَرُ بِمَكْرِ الْمَاكِرِينَ.